يحلو لطائفة ممن غاظهم البروز السياسى للإخوان المسلمين وانحياز الشعب لهم، أن يشوهوا صورة الجماعة، وأن يسوِّقوا لفكرة أن الإخوان ركبوا الثورة، وسرقوها، وعقدوا صفقة مع العسكر تعطيهم الحق فى حكم مصر على غير رغبة الجماهير.
وهذه أقوال تفتقر إلى المنطق، ولا يروجها إلا اثنان: جاهل بالإخوان وبتاريخهم وغاياتهم، أو عدو لهم أكل الحقد قلبه، فهو لا يرى جهادهم وتضحياتهم فى سبيل مجد أوطانهم، سوى صفحة من التدليس والتزلف للسلاطين والحكام.
الإخوان يا سادة هم الذين أسسوا هذه الثورة، وهم الذين حموها وأنجحوها، ولولاهم ما كانت.. فإذا اعتبرنا النظام البائد أشبه بصخرة عاتية مستعصية على الكسر، فإن الجماعة المباركة وأعضاءها المجاهدين، هم الذين ظلوا يطرقون عليها لسنين، حتى تهيأت للانهيار، فجاءت الضربة الأخيرة على يد الشباب -ومن بينهم شباب الإخوان- ليتم الإعلان عن زوال الصخرة وانتهاء العصر البغيض.
الثورة إذًا كانت حملا فى رحم الشعب، والإخوان هم الذين حافظوا على هذا الحمل، ورعوا الجنين فى بطن أمه، وغذوه وأنفقوا عليه من دمائهم وأموالهم، فلما اكتمل وحان موعد الميلاد، كان الشباب هم الذين زفوا البشرى وأعلنوا قدوم المولود السعيد.
وإذا كان هناك يومان فاصلان فى تاريخ هذه الثورة -كما أجمع الخبراء- فهما يوم جمعة الغضب (28/1/2011م)، ويوم موقعة الجمل (2/2/2011م) وهما اليومان اللذان شهد الجميع للإخوان خلالهما بالفضل والشجاعة، والإخلاص والمروءة؛ لأنه لولا الله تعالى ثم الإخوان فى هذين اليومين لكانت الثورة فى (خبر كان).
فى يوم جمعة الغضب حشدت الجماعة مئات الآلاف من أعضائها، فى سائر المحافظات؛ ليواجهوا أعتى نظام بوليسى فى العالم، وقد وضع الإخوان أيديهم فى أيدى الجماهير الحاشدة دون أن يرفعوا شعارا من شعاراتهم، أو يرددوا هتافا من هتافاتهم؛ ليدشنوا بذلك مظاهرات مليونية استطاعت فى خلال ساعات (خلع) هذا النظام الفاسد وهزيمة قوات أمنه، وقد سيطروا سيطرة كاملة على البلد.. ثم شرعوا فى حمايتها من اللصوص وفلول النظام المنهزم فيما عُرف باللجان الشعبية.
وفى يوم 2/2/2011 شنّ مسئولو الحزب البائد حربا حقيقية على الثوار فى ميدان التحرير فيما عُرف بموقعة الجمل، دامت 48 ساعة، واستُخدمت فيها جميع الأسلحة، النارية وقنابل المولوتوف وقطع الرخام والزلط، ثم مجموعة من الخيول والجمال -بغرض إنهاء اعتصام الثوار، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه، ثم الالتفاف على هؤلاء الشباب ومحاكمتهم والتنكيل بهم، وبذلك تنتهى الثورة وينتهى الثوار.. إلا أن الإخوان فى هذين اليومين، وبشهادة الجميع أيضا، قاموا بأكبر دور بطولى شهدته الثورة المصرية.. إذ استطاعوا صد هذا الهجوم البربرى، وسقط منهم فى الميدان وحده 34 شهيدا، غير مئات المصابين.. واستطاع مسئولو الأحياء القريبة من الميدان حشد أكثر من “12 ألف أخ” فى أقل من نصف ساعة، استطاعوا السيطرة على مداخل الميدان ومخارجه.
وطوال أيام الثورة، وفى أثناء مظاهراتها المليونية، كان الإخوان هم من يقومون بتنظيم الميدان والإشراف على الداخلين والخارجين، وهم من تولوا تأمينه ومراقبة ما يجرى حوله وما يبيت له، وهم من قدموا الأغذية والأشربة والأغطية للثوار.. ولم يغادروا الميدان إلا بعد نجاح الثورة، وبعد اطمئنانهم إلى أن أعداءها قد ألقى القبض عليهم وأودعوا السجون.
لقد دفع الإخوان الثمن غاليا؛ عربونا لرضاء الله عنهم؛ وثمنا لجنة عرضها السماوات والأرض.. غير أن الله يأبى إلا أن يكافئهم فى الدنيا، وأن يمن عليهم، ويجعلهم أئمة، ويجعلهم ورثة تركة الظالمين ومقاعد سلطانهم.. فهل أذنب الإخوان؟!
إننى أقولها بكل صراحة -وقد خبرت الإخوان-: إن الإخوان أنفسهم لم يكونوا يتوقعون هذا النجاح الساحق، وهذه الريادة الكبيرة.. لكنه فضل الله، ومنِّه على الذين استضعفوا لعقود وهم صابرون محتسبون، فإنه -تعالى- يؤتى الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء بيده الخير.. إنه على كل شىء قدير




