الارتقاء ليس سهلا. الانحدار أسهل بكثير. ولذلك سيمر وقت قبل أن يكتشف من يتساءلون عن المغزي وراء الدعوة إلي تشكيل حكومة ائتلافية أن البلاد في حاجة إلي إنقاذ سريع. غير أن هذا الإنقاذ لا يتيسر بدون الارتقاء إلي مستوي المسئولية والارتفاع فوق الصغائر التي لا يري أسراها في العمل السياسي إلا مناصب ومصالح حزبية وحقائب وزارية.ولكن هذا الارتقاء يتطلب أيضا إدراك عدم سلامة السؤال عما إذا كان في امكان حكومة جديدة ائتلافية أن تنجح فيما فشلت فيه حكومتا عصام شرف وكمال الجنزوري. ففي امكانها أن تنجح إذا جاءت في الوقت الصحيح وفي أجواء أقل توترا من تلك السائدة الآن.
فقد فشلت حكومتا شرف والجنزوري لأنهما لم تصنعا أصلا السياسات العامة التي تشتد الحاجة إليها منذ عام كامل, وليس لأنهما أخفقتا في تنفيذ هذه السياسات. وعندما قال أحد كبار المسئولين في حكومة شرف إنه لم يضع خططا مستقبلية لمعالجة الوضع الاقتصادي, بل ركز علي عدة أهداف قصيرة الأجل, كان هذا تعبيرا عن حال الأداء الحكومي حتي الآن. فقد أوضح في مقابلة صحفية أجريت معه ونشرت قبل أسابيع ردا علي سؤال عما إذا كان قد وضع خطة اقتصادية ما يفيد أنه لم يقدم خططا مستقبلية لأنه كان يعلم من اللحظة الأولي أنها وزارة إطفاء حرائق, رغم أن لديه تصورا للمستقبل علي مدي خمسة عقود قادمة, ولكنه رأي أنه من الظلم للناس فرضه عليهم دون عرضه علي مجلس الشعب ليناقشه قبل تنفيذه, بينما لم يكن هذا المجلس موجودا حينئذ.
وهو محق في ذلك حين يتعلق الأمر باستراتيجية متكاملة طويلة المدي. ولكن هناك سياسات ضرورية, حتي لا نقول بديهية, لا ينطبق عليها ذلك مثل إصلاح النظامين المالي والنقدي ومكافحة الفساد وإعادة هيكلة وزارة الداخلية لتحقيق الأمن.
كما أن ما يقال عن حكومة شرف لا ينطبق علي حكومة الجنزوري التي تم تشكيلها عشية انعقاد مجلس الشعب. ومع ذلك لم تضع خطة استراتيجية ولا حتي برنامجا للإنقاذ ليكون لها من اسمها (حكومة إنقاذ وطني) نصيب. كما أنها لم تشرع حتي في وضع السياسات الأساسية التي لا خطة للمستقبل بدونها, سواء علي مستوي الإصلاح المالي والنقدي أو علي صعيد مكافحة الفساد, أو في مجال إعادة بناء جهاز الأمن. وعندما قدمت برنامجا إلي مجلس الشعب, جاء مفارقا للواقع وبعيدا عن القضايا الجوهرية في الأغلب الأعم, إلي حد أنه لم يتضمن جزءا عن مشكلة الأمن بكل خطرها اكتفاء بإشارات عابرة إليها تحت عنوان بلا مضمون هو إرساء أركان دولة القانون. أما الأزمة الاقتصادية الهائلة فقد أفرط البرنامج في الطواف حولها دون أن يدخل في صلبها أو يوغل حتي في أبعادها المالية والنقدية العاجلة.
فلا سبيل إلي معالجة أزمة الاقتصاد المصري بدون إصلاح السياسة المالية التي تخنق هذا الاقتصاد لأنها تحرمه من موارد متاحة يمكن أن تضع حدا للاختناق فيه. ويتطلب ذلك البدء في إنهاء الفوضي الضاربة في النظام المالي وتطبيق مبدأ بديهي في الدولة الحديثة هو وحدة المال العام ووجود وعاء واحد له, إلي جانب مراجعة تدريجية لسياسة الدعم تكمل الإجراء الوحيد الذي اتخذته حكومة شرف وهو رفع هذا الدعم عن الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة.
ويرتبط هذا الإصلاح المالي الذي لا بديل عنه بإصلاح النظام النقدي وفرض رقابة عليه. فلا يصح أن يكون النظام النقدي غير خاضع لرقابة مستقلة من خارجه. ولذلك ينبغي إنشاء لجنة مستقلة للرقابة النقدية تشمل مهمتها البنك المركزي والبنوك كافة. فالنظام الراهن الذي يجعل ذلك البنك رقيبا علي تلك البنوك هو أحد أسباب الخلل القائم في النظام النقدي.
كما يتعين أن تشمل هذه الرقابة السياسات النقدية التي تسببت في تآكل جزء كبير من احتياطي النقد الأجنبي من 36 مليار دولار إلي نحو 15 مليار الآن. ففي غياب رقابة علي النظام النقدي, لم يناقش أحد سياسة استخدام جزء من الاحتياطي النقدي في محاولة تثبيت سعر الجنيه أو الحد من تراجعه بدلا من وسائل أخري كرفع سعر الفائدة بنسبة كافية علي سبيل المثال. فكانت النتيجة المأساوية للسياسة النقدية الأحادية التي اتبعت علي مدي عام كامل هي خسارة جزء من الاحتياطي من النقد الأجنبي بدون المحافظة علي العملة المحلية أو حتي علي الثقة فيها.
ولذلك يمكن أن تضع الحكومة القادمة قدميها علي بداية طريق النجاح عندما تشرع يوم تشكيلها في إصلاح السياستين المالية والنقدية, بالتزامن مع اتخاذ إجراءات فورية لمكافحة الفساد من أجل وقف النزيف المترتب عليه, وإعادة هيكلة وزارة الداخلية من أجل تحقيق الأمن المفقود في الشارع بطريقة تعيد النظام والانضباط دون إهدار كرامة الناس أو تقييد حرياتهم العامة.
ومؤدي هذه الإصلاحات العاجلة في السياسات المالية والنقدية والرقابية والأمنية هو تحفيز الاقتصاد بعد تحريره من الاختناق عبر تهيئة الظروف اللازمة لجذب استثمارات أجنبية, بما فيها الاستثمارات العربية بدلا من سياسة استجداء المساعدات التي تهدر كرامتنا. ولكن أهم ما في الأمر هو توجيه رسالة إلي العالم مفادها أن إدارة شئون البلاد ستكون مرتبطة بالإرادة الشعبية, بما يعنيه ذلك من إرساء قواعد ومعايير يطمئن إليها المستثمرون الذين يقبلون عادة علي البلاد التي تدار بهذه الطريقة.




